ابن عربي
412
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
لم يكن كذلك لالتحق المهلك بالهالك ، فقد بانت الرتب ، وعرفت النسب ، وثبتت حقيقة السبب ، جعلنا اللّه وإياكم ممن شاهد محركه فكبر ، فتجلى له ما هو أكبر - راجع سورة العنكبوت آية 45 . [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 4 ] وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) قيل في تفسيره إنه أمر بتقصير ثيابه ، يقول عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه في هذا المعنى : تقصيرك الثوب حقا * أنقى وأبقى وأتقى - إشارة لا تفسير - الثوب في الاعتبار القلب ، وهو أن يطهر العبد قلبه ، وطهارته هو البراءة من نفسه ورد الأمر كله إلى اللّه ، فإن اللّه يقول ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ) فيا أيّها العقل طهّر ثوب سرك ، وبقعة قلبك لتجلي ربّك ، فإنّ سرّ الطهارة معقول ، كما أنّ فعلها منقول . ويا أيّها الحسّ طهّر ثوبك بالتقصير ، فإنّ الفائزين أهل التشمير ، وطهّر بقعتك النفيسة من عالم التخليط ، فإنك من عالم التخطيط ، عسى يفيض عليك شيء من العالم البسيط ، فإن فاض عليك منه شيء فهو نور أنت فيؤه ، وعود أنت بدؤه ، وظهور أنت خبؤه ، فلو لا ظهورك ما سرى إليك نوره فيك ، وبفيضه عليك وحاجتك إليه تعزّز ، فاعرف قدرك وقدره ، وتحقّق شمسه وبدره ، وأشرقت الأرض بنور ربها ، وذلك النور طهور تربها . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 5 إلى 6 ] وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) إن اللّه يمن على عباده بما يمتن عليهم من المنن الجسام ، ولذا سميت مننا ، وليس للعباد أن يمتنوا ، لأن النعم ليست إلا لمن خلقها ، فلهذا كان المن من اللّه محمودا ، لأنه ينبه عباده بما أنعم عليهم ليرجعوا إليه ، وكان مذموما من العباد لأنه كذب محض . [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ( 7 ) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ( 8 )